السيد محمد حسين الطهراني

108

ولاية الفقيه في حكومة الإسلام

وَكانَ يُقالُ : لا يَغْلِبَنَّ جَهْلُ غَيْرِكَ بِكَ ، عِلْمَكَ بِنَفْسِكَ « 1 » . وَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ المُقَفَّعِ في « اليَتيمَة » : إيّاكَ إذا كُنْتَ وَالِياً أنْ يَكونَ مِنْ شَأنِكَ حُبُّ المَدْحِ وَالتَّزْكيَةِ ، وَأنْ يَعْرِفَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْكَ ! فَتَكونَ ثُلْمَةً مِنَ الثُّلَمِ يَقْتَحِمونَ عَلَيْكَ مِنْها ، وَبَاباً يَفْتَتِحونَكَ مِنْهُ ، وَغيبَةً يَغْتابونَكَ بِها وَيَسْخَرونَ مِنْكَ لَها . وَاعْلَمْ : أنَّ قابِلَ المَدْحِ كَمادِحِ نَفْسِهِ ، وَأنَّ المَرْءَ جَديرٌ أنْ يَكونَ حُبُّهُ المَدْحَ هُوَ الَّذي يَحْمِلُهُ عَلَى رَدِّهِ ، فَإنَّ الرَّادَّ لَهُ مَمْدوحٌ وَالقابِلَ لَهُ مَعيبٌ « 2 » . المدح ، أي الثناء على صفات الوالي وأفعاله وخدماته وما شابه ، والتزكية ، هي تصوير عيوبه عند الناس بشكل حسن . فعلى رغم وجود عيوب ومعاصي عند الوالي - كالكذب وأكل حقّ الناس والتورية باسم المصلحة فجميع هذه الأمور ذنوب - لكنّهم يقولون : إنَّ هذه الأمور لازمة له ، وهي من المقتضيات الضروريّة التي يلجأ إليها مرغماً لتوازن التعامل مع جميع هذه الجموع ، وهذا أمر طبيعيّ بالنسبة للوالي ! يقول : « فَتَكونَ ثُلْمَةً مِنَ الثُّلَمِ يَقْتَحِمونَ عَلَيْكَ مِنْها ، وَبَاباً يَفْتَتِحونَكَ مِنْهُ » ؛ فلم يقل : إنَّهم يجعلون هذا باباً يدخلون من خلاله إليك وإلى أفكارك ، وإنَّما يجعلون نفسك ووجودك باباً يفتتحونك ويمزّقونك بواسطته ويدخلون في نفسك ، فترتكب جميع هذه السيّئات والبلايا والمعايب . بينما يُحسّنون لك ذلك ولا يَعدُّونه عيباً ! فترتكب العمل القبيح ويمدحونك ، وتمنع حقّ الناس فيبرّرون لك ، وتقوم بالمخالفات فيجدون لك التفسيرات المرضيّة ، فيجعلونك عاملًا بكلّ ذلك عن رغبة منك ! وعندما

--> ( 1 ) « شرح نهج البلاغة » لابن أبي الحديد ، ج 11 ، ص 103 . ( 2 ) « شرح نهج البلاغة » لابن أبي الحديد ، ج 11 ، ص 104 .